في حوار خاص مع مجلة “السفيرة”.. الدبلوماسية صفية طالب السهيل: المرأة أصبحت شريكا في صناعة القرار وبناء السلام

لم تعد الدبلوماسية في عالم اليوم مجرد تمثيل رسمي للدول أو إدارة للعلاقات السياسية، بل أصبحت قوة ناعمة تصنع التفاهم، وتبني الجسور، وتفتح مساحات جديدة للحوار بين الشعوب. وفي قلب هذا التحول، فرضت المرأة حضورها بوصفها شريكًا فاعلًا في صياغة السياسات، وصناعة القرار، وتعزيز ثقافة السلام والاستقرار.
وبالتزامن مع اليوم الدولي للمرأة في الدبلوماسية، الذي اعتمدته الأمم المتحدة تقديرًا لإسهامات النساء في هذا المجال، تفتح مجلة “السفيرة” نافذة على واحدة من أبرز التجارب الدبلوماسية العربية، من خلال حوار خاص مع سعادة سفيرة جمهورية العراق لدى المملكة العربية السعودية، الدكتورة صفية طالب السهيل، التي جمعت بين العمل الدبلوماسي والتشريعي والتنفيذي، وحملت على امتداد مسيرتها رؤية تؤمن بأن الحوار هو الطريق الأقصر لبناء الثقة، وأن الدبلوماسية تبدأ من الإنسان قبل أن تُمارس بين الدول.
وفي هذا الحوار، الذي أجراه الأستاذ أحمد الزيلعي، رئيس تحرير مجلة “السفيرة”، تتحدث الدكتورة صفية طالب السهيل عن مستقبل العراق، وتجربتها الممتدة في العمل الدبلوماسي، وتطور حضور المرأة في السلك الدبلوماسي، وتجربة تمكين المرأة في المملكة العربية السعودية، كما تتناول أهمية الدبلوماسية الثقافية والإعلامية في توثيق العلاقات بين العراق والمملكة، وتوجه رسالة ملهمة إلى المرأة والشباب، تؤكد فيها أن صناعة المستقبل تبدأ بالإرادة والمعرفة والإيمان بقدرة الإنسان على إحداث التغيير.
حوار: أحمد الزيلعي رئيس تحرير “السفيرة”
1. في ضوء اليوم الدولي للمرأة في الدبلوماسية، كيف تنظرين إلى تطور حضور المرأة في هذا المجال، وما الذي يمثله هذا اليوم بالنسبة لكِ؟
في البداية، أود أن أوجه تهنئة بهذه المناسبة إلى المرأة الدبلوماسية في العالم، وفي الوطن العربي على وجه الخصوص، تقديراً لدورها المتنامي في مسارات السلام والحوار، وإسهامها الفاعل في تطوير أدوات الدبلوماسية الحديثة وصناعة التفاهم بين الشعوب.
يمثل هذا اليوم مناسبة دولية مهمة لإبراز التحول المتصاعد في مكانة المرأة داخل السلك الدبلوماسي، ليس فقط كمشاركة، بل كشريك فاعل في صناعة القرار وبناء التوازن في العلاقات الدولية.
وقد أثبتت المرأة عبر تجارب متعددة قدرتها على إدارة ملفات معقدة في السياسة والاقتصاد والعمل الإنساني بكفاءة واقتدار، وأسهمت في ترسيخ نهج أكثر شمولاً وتوازناً في الدبلوماسية الحديثة.
وأعتز كثيراً بتجارب النساء الدبلوماسيات، خصوصاً العربيات، اللواتي قدمن نماذج مشرفة في العراق والمملكة العربية السعودية والمنطقة.
2. من هي صفية طالب السهيل بعيداً عن المناصب؟
أنا ابنة العراق، أنتمي إلى تاريخه العريق وإرثه الحضاري الممتد، وأؤمن بأن العمل العام مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون موقعاً أو لقباً.
وجوهر رؤيتي للعمل الدبلوماسي يقوم على خدمة الإنسان، وبناء الجسور بين الشعوب، وترسيخ قيم الحوار والتفاهم.

3. كيف أسهمت النشأة والتعليم في تشكيل شخصيتك؟
نشأت في بيئة عائلية منفتحة على التعددية والتنوع، ضمن امتداد جغرافي وأسري واسع وعلاقات ممتدة داخل العراق وخارجه، ما أتاح لي مبكراً الاطلاع على تجارب إنسانية واجتماعية متعددة، وأسهم في ترسيخ الانفتاح واحترام الاختلاف.
هذا الامتداد العربي الواسع، إلى جانب التجربة الاجتماعية، أضاف بعداً إنسانياً ومعرفياً مهماً، وساعد في توسيع دائرة التفاعل مع الثقافات المختلفة.
وقد أسهمت تجربتي السياسية خلال فترة المنفى الإجباري في تعميق فهمي لتعقيدات المشهد السياسي والعلاقات الدولية، وأتاحت لي بناء علاقات إنسانية ومهنية مع دوائر فاعلة في محيط صنع القرار الإقليمي والدولي.
وجاءت تجربتي التعليمية في الجامعة الأردنية في عمّان ضمن بيئة متعددة الثقافات وتواجد طلاب دوليين من المنطقة العربية ، لتكمل هذا المسار وتكرّس رؤية منفتحة قائمة على الحوار وبناء الجسور.
4. كيف تقيمين واقع المرأة العراقية اليوم في ضوء تاريخ طويل من الريادة؟
تمتلك المرأة العراقية إرثاً تاريخياً راسخاً من الريادة في مجالات التعليم والقضاء والطب والإدارة والسياسة والدبلوماسية، وكانت من أوائل النساء في المنطقة اللواتي اقتحمن هذه المجالات.
واليوم تواصل المرأة العراقية حضورها الفاعل داخل مؤسسات الدولة كافة، وتثبت قدرتها على تولي مواقع المسؤولية والمشاركة في صنع القرار.
ويبقى ترسيخ هذا الحضور مرتبطاً بدعم البيئة المؤسسية وتكافؤ الفرص واعتماد معيار الكفاءة .

5. كيف تلخصين أبرز محطات مسيرتك الدبلوماسية والتشريعية والتنفيذية، وما الذي أضافته لك هذه التجربة متعددة المسارات؟
أسهمت مسيرتي المهنية في بناء خبرة تراكمية شملت العمل الدبلوماسي في عدد من العواصم، والتمثيل في منظمات الأمم المتحدة في روما، إلى جانب العمل التنفيذي داخل وزارة الخارجية، وصولاً إلى التجربة التشريعية في مجلس النواب العراقي ممثلةً عن العاصمة بغداد لدورتين وعضوية لجنة العلاقات الخارجية.
كما توليت مهاماً تنفيذية في وزارة الخارجية من بينها رئاسة دائرة أوروبا والعمل وكيلاً لوزارة الخارجية، ما أتاح لي الجمع بين الأبعاد التشريعية والتنفيذية والدبلوماسية في رؤية متكاملة.
وامتدت هذه المسيرة إلى تمثيل العراق سفيرةً في المملكة العربية السعودية، إضافة إلى محطات سابقة في الأردن وإيطاليا، واعتمادات غير مقيمة لدى عدد من الدول، وهو ما عمّق فهمي لآليات العمل الدبلوماسي وصناعة القرار الدولي.
6. كيف تقيمين تجربة تمكين المرأة في المملكة العربية السعودية؟
شهدت المملكة العربية السعودية تحولاً نوعياً في تمكين المرأة، انعكس في حضورها المتزايد في مختلف القطاعات، بما فيها الاقتصاد والدبلوماسية والعمل العام.
وهي تجربة ملهمة تعكس رؤية تنموية واضحة، وقد لمست من خلال اللقاءات مع سيدات سعوديات رائدات مستوى عالياً من الكفاءة والطموح والقدرة على القيادة.

7. كيف تقيمين تجربة تمكين المرأة وتطور حضورها في الدبلوماسية والعمل العام في المملكة العربية السعودية؟
شهدت المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة تحولاً نوعياً في تمكين المرأة، انعكس في انتقالها إلى مواقع المسؤولية وصنع القرار، بما في ذلك العمل الدبلوماسي والتمثيل الخارجي.
وقد برز الحضور المتنامي للدبلوماسية النسوية السعودية في المحافل الدولية وفي وزارة الخارجية، حيث أثبتت الدبلوماسيات السعوديات كفاءة مهنية عالية وقدرة على تمثيل بلادهن بصورة مشرفة وفاعلة، مع دعم واضح من أصحاب القرار لتمكين المرأة وتوسيع مشاركتها في العمل العام والدبلوماسي.
وخلال تجربتي في المملكة، لمست عن قرب هذا التحول الإيجابي، الذي أسهم في إثراء العمل والتمثيل الدبلوماسي النسوي السعودي .
8. ما أهمية الدبلوماسية الثقافية والإعلامية في تعزيز العلاقات بين الدول، خصوصاً بين العراق والسعودية؟
تمثل الدبلوماسية الثقافية والإعلامية إحدى أهم أدوات القوة الناعمة في بناء التفاهم بين الشعوب، لما لها من دور في ترسيخ الجسور الإنسانية خارج الإطار الرسمي للعلاقات السياسية.
وفي العلاقات بين جمهورية العراق والمملكة العربية السعودية، يكتسب هذا البعد أهمية خاصة في ضوء ما يجمع البلدين من روابط تاريخية وجغرافية واجتماعية ممتدة شكلت أساساً لعلاقات قائمة على الجوار وأواصر الأخوة.
وقد أسهمت المبادرات الثقافية المشتركة، ومنها فعالية “بين ثقافتين”، في توسيع مساحات التبادل الثقافي والإعلامي.
كما عكست الاضاءه على طريق الحج والتجارة القديمة مثل درب زبيدة وطرق التجارة ( البصرة -الإحساء ) وغيرها عمق الروابط التاريخية الممتدة بين الشعبين عبر عقود ، بما يؤكد أن الامتداد والتواصل في التاريخ والذاكرة المشتركة.
9. كيف تنظرين إلى مستقبل العراق؟
العراق، بلاد الرافدين، مهد الحضارات القديمة من سومر وبابل وآشور، يحمل إرثاً حضارياً وثقافياً عميقاً يمنحه مكانة استثنائية في التاريخ الإنساني.
ومن هذا المنطلق، فإن مستقبل جمهورية العراق يرتكز على عناصر قوة حقيقية تتمثل في الإنسان العراقي بما يمتلكه من كفاءة ومرونة وقدرة على التكيف والإبداع.
كما أن موقع العراق الجغرافي وتاريخه الحضاري يجعلان منه نقطة توازن مهمة في محيطه الإقليمي، وقادراً على لعب دور فاعل في تطوير التعاون والاستقرار.

10. ما الرسالة التي توجهينها للمرأة والشباب؟
رسالتي للمرأة والشباب تقوم على الإيمان بأن اللحظة الراهنة هي لحظة فرص حقيقية وليست انتظاراً للمستقبل. فالعالم اليوم لا يمنح المواقع بقدر ما يمنحها لمن يمتلك الإرادة، والمعرفة، والقدرة على المبادرة والمثابرة .
المرأة العراقية أثبتت عبر تجاربها أنها قادرة على تولي أدوار قيادية مؤثرة في الدولة والمجتمع، ليس فقط بالمشاركة، بل بصناعة القرار وإحداث التغيير .
أما الشباب، فهم الطاقة الأكثر حيوية في أي مجتمع، والركيزة الأساسية لأي مشروع وطني طموح. وتمكينهم يعني الاستثمار في المستقبل بكل أبعاده التنموية والمعرفية.
إن المرحلة القادمة تتطلب وعياً أكبر وشراكة أوسع بين المرأة والشباب وصناع القرار، لبناء مسار يقوم على الكفاءة والاستقرار والتنمية المستدامة وتحويل التحديات إلى فرص حقيقية للنهوض.
واختم بالتعبير عن تفاؤلي العميق بشباب العراق ونسائه وفتياته، الذين يشكلون اليوم ركيزة الأمل وصناعة المستقبل بما يمتلكونه من طاقات وقدرات وإصرار على التغيير والبناء.

وتأكيدا لرسالتها في توثيق التجارب الدبلوماسية النسائية الملهمة، اختارت مجلة “السفيرة” الدكتورة صفية طالب السهيل، سفيرة جمهورية العراق لدى المملكة العربية السعودية، لتتصدر غلاف عددها الخاص باليوم الدولي للمرأة في الدبلوماسية، وأجرت معها حوارا حصريا استعرض أبرز محطات مسيرتها ورؤيتها لمستقبل العمل الدبلوماسي ودور المرأة في صناعة السلام.


