كتاب

من هدى شعراوي إلى بنت الشاطئ: كيف تغيّرت صورة المرأة العربية

من هدى شعراوي إلى بنت الشاطئ: كيف تغيّرت صورة المرأة العربية؟

 

في الذاكرة العربية، تعيش هدى شعراوي غالبًا داخل صورة واحدة: “امرأة تخلع برقعها في محطة قطار”. وكأن تاريخ المرأة العربية الحديث كله انضغط في لحظة رمزية عابرة. لكن أزمة الذاكرة الثقافية العربية أنها كثيرًا ما تختزل الشخصيات الكبرى في مشهد واحد، بينما تضيع الأسئلة العميقة التي حاولت تلك الشخصيات الإجابة عنها في زمانها.

 

ولعل هدى شعراوي من أكثر الشخصيات التي تعرضت لهذا الاختزال؛ إذ ابتلع مشهد خلع البرقع تاريخًا طويلًا من النشاط الاجتماعي والوطني والفكري، حتى بدا وكأن المرأة العربية الحديثة بدأت من تلك اللحظة وانتهت عندها. بينما الحقيقة أن سؤال المرأة في مطلع القرن العشرين لم يكن سؤالًا شكليًا يتعلق بالزي أو المظهر بقدر ما كان جزءًا من سؤال عربي أكبر: “كيف يمكن للمجتمع العربي أن يدخل العصر الحديث دون أن يفقد توازنه الثقافي؟”.

 

فمن القاهرة إلى بيروت ودمشق وتونس وغيرهم، كانت النخب العربية تواجه ارتباكًا حضاريًا عميقًا فرضته الحداثة، والتعليم الحديث، والاحتكاك بأوروبا، وتراجع البنى التقليدية، وصعود الدولة الوطنية. وفي قلب هذا الارتباك ظهر سؤال المرأة بوصفه أحد أكثر الأسئلة حساسية؛ لأن المرأة لم تكن في الوعي النهضوي مجرد قضية اجتماعية، بل تحولت إلى المساحة التي اختبرت فيها المجتمعات العربية علاقتها بالحداثة نفسها؛ لذلك بدا الجدل حول تعليم المرأة ولباسها وخروجها إلى المجال العام وكأنه جدل حول صورة المجتمع العربي المستقبلية أكثر من كونه جدلًا حول المرأة وحدها.

 

في هذا السياق ظهرت هدى شعراوي، لا باعتبارها نسخة عربية من النسوية الأوروبية كما يصورها بعض خصومها، ولا بوصفها أيقونة تحرر مكتملة كما يبالغ بعض مؤيديها، بل بوصفها ابنة لحظة نهضوية عربية مبكرة كان سؤالها الأساسي: كيف تدخل المرأة المجال العام؟

 

كانت معركة هدى شعراوي، في جوهرها، معركة اعتراف اجتماعي؛ إذ انشغل جيلها بالسؤال الأولي: هل يحق للمرأة أن تدخل المجال العام أصلًا؟ ولهذا انشغلت بقضايا التعليم، والزواج المبكر، والرعاية الصحية، ومشاركة المرأة في الحياة العامة، أكثر من انشغالها بإعادة بناء البنية الفكرية أو المعرفية للمجتمع.

 

وفي هذا المعنى، تبدو عبارتها الشهيرة – كما وردت في مذكراتها – كاشفة للغاية: “إن تحرير المرأة يعني أيضًا تحرير الرجل من المرأة الجاهلة”. فالقضية عندها لم تكن صراعًا بين الرجل والمرأة، بل محاولة لإعادة تشكيل المجتمع نفسه عبر إصلاح وضع المرأة داخله. أي أن المرأة كانت تُفهم بوصفها مدخلًا لإصلاح المجتمع، لا بوصفها فردًا مستقلًا فحسب.

 

ولهذا تبدو القراءة الاختزالية التي تحصر هدى شعراوي في لحظة “خلع البرقع” قراءة مضللة تاريخيًا؛ إذ تشير قراءات تاريخية متعددة إلى أن ما خلعته كان أقرب إلى “اليشمك” الاجتماعي الشائع في الأوساط الأرستقراطية المصرية آنذاك، لا إلى الحجاب بمعناه الفقهي المتداول اليوم. كما أن شخصيتها نفسها كانت أكثر تركيبًا من الصور الأيديولوجية الجاهزة؛ فقد شاركت في أجواء ثورة 1919م المرتبطة بحزب الوفد وزعيمه الوطني سعد زغلول ضد الانقليز، وساندت قضايا أخلاقية واجتماعية محافظة نسبيًا، ورفضت استيراد بعض التصورات الغربية بصورة آلية، وتحفظت على المساواة المطلقة في الميراث بين الذكر والأنثى.

 

ومع ذلك، فإن جزءًا من الخطاب النهضوي المبكر – بما فيه خطاب هدى شعراوي – ظل أسير النخبة المدينية المتعلمة، ولم يكن قادرًا دائمًا على تحويل أفكاره إلى تحولات اجتماعية عميقة داخل المجتمعات العربية الأكثر محافظة وتعقيدًا. وربما لهذا بقيت كثير من أسئلة تلك المرحلة مفتوحة حتى اليوم.

 

ولعل المشكلة لم تكن نقصًا في الأفكار بقدر ما كانت نقصًا في قدرة النخب العربية على تحويل الأفكار النهضوية إلى بنى اجتماعية وثقافية مستقرة. فالكثير من سجالات تلك المرحلة ظل يدور في مستوى الرموز والشعارات أكثر مما تحول إلى تحول اجتماعي عميق ومستدام. ولذلك لم يكن الجدل العربي حول المرأة صراعًا على المرأة نفسها بقدر ما كان صراعًا على شكل المجتمع الذي يريد العرب بناءه؛ إذ كانت المرأة، في جانب كبير من ذلك الجدل، مرآةً للسؤال الحضاري الأكبر: “كيف يمكن للعالم العربي أن يتحدث لغة العصر دون أن يشعر بأنه يفقد نفسه؟”.

 

لكن أهمية هدى شعراوي الحقيقية لا تكمن في الاتفاق معها أو الاختلاف حولها أو ضدها، بل في فهم المرحلة التي مثلتها. فهي تنتمي إلى زمن كان مجرد ظهور المرأة في المجال العام حدثًا استثنائيًا يحتاج إلى تبرير اجتماعي وأخلاقي وسياسي. أي أن الحداثة العربية في بداياتها كانت لا تزال تفكر في المرأة بوصفها “قضية حضور”.

 

وهنا تحديدًا تبدو الموازنة مع بنت الشاطئ شديدة الدلالة.

 

فالمفارقة أن بنت الشاطئ – رغم أنها جاءت لاحقًا – تبدو أقرب إلى صورة المرأة العربية الحديثة بالمعنى الأعمق. إذ لم تعد معركتها الأساسية مجرد الحق في الظهور داخل المجال العام، بل ممارسة الحضور المعرفي داخله. لم تدخل المجال الثقافي باعتبارها “استثناءً نسائيًا”، بل باعتبارها باحثة ومفسرة وأستاذة جامعية ومنتجة للمعرفة.

 

أما عند بنت الشاطئ فقد تغيّر السؤال نفسه؛ إذ لم تعد المرأة تطلب حق الحضور، بل مارست حضورها بوصفها منتجة للمعرفة والتأويل والثقافة. وهنا انتقل الوعي العربي من الاعتراف الاجتماعي بالمرأة إلى الاعتراف بسلطتها المعرفية.

 

وليس بلا دلالة أن تبدأ عائشة عبد الرحمن الكتابة باسم مستعار الذي اشتهرت به، هو “بنت الشاطئ”، في زمن كانت المرأة الكاتبة لا تزال تتحرك بحذر داخل المجال الثقافي، ثم تتحول لاحقًا إلى واحدة من أبرز الأسماء العربية في الدراسات القرآنية والأدبية. ففي هذه المفارقة وحدها يمكن قراءة قرن كامل من التحولات الاجتماعية والثقافية العربية.

كما أن الفارق بين الشخصيتين يعكس تحولًا أعمق في بنية المجال العام العربي نفسه؛ فقد ارتبطت هدى شعراوي أساسًا بالشارع السياسي والحركة الوطنية وسجالات التحرر الاجتماعي، بينما ارتبطت بنت الشاطئ بالجامعة والمؤسسة الأكاديمية وسلطة المعرفة. أي أن الانتقال بين الشخصيتين لم يكن انتقالًا بين نموذجين نسويين فحسب، بل انتقالًا من زمن السياسة التعبوية إلى زمن الشرعية المعرفية.

 

لقد كانت معركة هدى شعراوي هي فتح الباب. أما بنت الشاطئ فدخلت من الباب نفسه لتثبت أن المرأة ليست مجرد شريك اجتماعي، بل شريك في إنتاج المعرفة والتأويل والثقافة أيضًا.

 

وهنا يمكن فهم الحداثة بمعناها الأعمق: فالحداثة الحقيقية لا تبدأ حين تظهر المرأة في المجال العام فقط، بل حين يصبح حضورها العلمي والثقافي أمرًا طبيعيًا لا يحتاج إلى تبرير مستمر أو احتفاء استثنائي.

 

ولهذا تبدو القراءة الثنائية السطحية – “محافظة” في مقابل “تحرر” – عاجزة عن فهم تاريخ المرأة العربية الحديث. فالمسألة لم تكن صراعًا بين نموذجين متناقضين بقدر ما كانت تطورًا تدريجيًا في تعريف المرأة نفسها داخل الوعي العربي.

 

كانت المرأة في بدايات النهضة تُطرح بوصفها سؤالًا اجتماعيًا وأخلاقيًا. ثم تحولت تدريجيًا إلى فاعل ثقافي ومعرفي كامل الحضور. وبين المرحلتين يمكن قراءة تاريخ طويل من ارتباك الحداثة العربية نفسها، بكل محاولاتها المستمرة للتوفيق بين الهوية والتحديث، والتراث والمعاصرة، والمجتمع والدولة.

 

كانت هدى شعراوي تنتمي إلى مرحلة كان السؤال فيها: هل يحق للمرأة أن تدخل المجال العام؟ بينما جاءت بنت الشاطئ في مرحلة أصبح السؤال فيها: ماذا يمكن للمرأة أن تضيف إلى المجال المعرفي نفسه؟ وبين السؤالين يمكن قراءة التحول العميق في صورة المرأة داخل الوعي العربي الحديث.

من هدى شعراوي إلى بنت الشاطئ، لم تتغير صورة المرأة العربية وحدها، بل تغير السؤال العربي نفسه؛ من سؤال الحق في الحضور إلى سؤال الحق في إنتاج المعرفة. وربما في هذا الانتقال وحده يمكن قراءة جانب كبير من تاريخ الحداثة العربية.

إلى اللقاء.

عبدالعزيز الموسى

كاتب سعودي مهتم بالفكر والتحولات الاجتماعية العربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى