غالية البقمية.. سيدة المواقف الوطنية وأيقونة الصمود في الدولة السعودية الأولى

تقرير :أحمد -الزيلعي
خلّد التاريخ السعودي أسماء نساء كان لهن أثر بارز في مسيرة الدولة السعودية الأولى، ومن بين تلك الشخصيات تبرز غالية البقمية بوصفها واحدة من أشهر النساء اللاتي اقترن اسمهن بالشجاعة والكرم وحسن التدبير. فقد لعبت دورًا مهمًا خلال مرحلة شهدت تحديات عسكرية وسياسية كبيرة، وأسهمت في دعم الدولة السعودية الأولى، ليس بالسلاح، وإنما بالحكمة، وتوفير الدعم اللوجستي، وتسخير إمكاناتها لخدمة المدافعين عن الوطن.
وتبقى غالية البقمية مثالًا حيًا على أن المرأة السعودية كانت شريكًا حقيقيًا في صناعة التاريخ، وأسهمت في تعزيز صمود المجتمع في مواجهة الأزمات، حتى أصبحت سيرتها جزءًا من الذاكرة الوطنية للمملكة العربية السعودية.
نشأتها ومكانتها الاجتماعية
تنتمي غالية البقمية إلى قبيلة البقوم، إحدى القبائل المعروفة في وسط الجزيرة العربية، وعاشت في مدينة تربة التي كانت تمثل موقعًا استراتيجيًا مهمًا في ذلك الوقت.
واكتسبت مكانة اجتماعية مرموقة بفضل شخصيتها القوية، ورجاحة عقلها، وكرمها، إلى جانب الثروة التي كانت تمتلكها مع زوجها الأمير حمد بن عبدالله بن محيي، أمير تربة وأحد قادة الدولة السعودية الأولى.
وبعد وفاة زوجها، تولت إدارة ممتلكاتها بكفاءة، واستمرت في أداء دورها الاجتماعي والوطني، الأمر الذي عزز مكانتها بين أبناء المنطقة.
حكمة ورجاحة في الرأي
اشتهرت غالية البقمية بقدرتها على اتخاذ القرار، وسداد رأيها، وحسن تقديرها للأحداث، وهو ما جعلها محل احترام وتقدير من القادة والأهالي على حد سواء.
وتشير المصادر التاريخية إلى أنها كانت تمتلك معرفة جيدة بأحوال الحرب، وأساليب إدارة الأزمات، ولذلك كان يُستأنس برأيها في كثير من المواقف، خصوصًا خلال الفترات التي تعرضت فيها الدولة السعودية الأولى للحملات العسكرية.
ولم يكن تأثيرها نابعًا من منصب رسمي، بل من شخصيتها القيادية، وثقة المجتمع في حكمتها وقدرتها على التعامل مع الظروف الصعبة.
دعمها للدولة السعودية الأولى
يُعد الدور الذي قامت به غالية البقمية في دعم الدولة السعودية الأولى من أبرز صفحات سيرتها، إذ سخّرت ثروتها وممتلكاتها لخدمة المدافعين عن الوطن، فوفرت المؤن، والدواب، والاحتياجات الأساسية التي ساعدت القوات السعودية على مواصلة الدفاع عن البلاد.
كما أسهمت في تجهيز الرجال وتقديم الدعم اللوجستي، وهو ما كان يمثل عنصرًا مهمًا في استمرار القدرة على الصمود، خاصة في ظل صعوبة الظروف الاقتصادية والعسكرية آنذاك.
وقد جسدت بهذا الدور مفهوم المسؤولية الوطنية، وأثبتت أن الدفاع عن الوطن لا يقتصر على حمل السلاح، بل يشمل أيضًا تقديم الدعم والإسناد بكل الوسائل الممكنة.
مواجهة الحملات المعتدية
ارتبط اسم غالية البقمية بشكل وثيق بالحملات العسكرية التي استهدفت الدولة السعودية الأولى، ولا سيما الحملة التي قادها مصطفى بك عام 1814م على مدينة تربة.
وخلال تلك الفترة، وقفت إلى جانب قوات الدولة السعودية الأولى، وأسهمت في رفع معنويات المقاتلين، ودعمهم بالإمكانات المتاحة، الأمر الذي كان له أثر في تعزيز صمودهم.
وتذكر بعض الروايات التاريخية أن الخصوم بالغوا في تصوير تأثيرها، حتى نسجوا حول شخصيتها قصصًا وأساطير، في محاولة لتفسير صمود القوات السعودية، وهو ما يعكس حجم الحضور الذي كانت تتمتع به في تلك المرحلة.
ويؤكد المؤرخون أن ما نُسب إليها من أعمال خارقة لا يستند إلى أدلة تاريخية موثقة، وأن دورها الحقيقي تمثل في حسن الإدارة، والدعم المالي، والقيادة الاجتماعية.
بيتها ملاذ للقادة والمحتاجين
كان منزل غالية البقمية مفتوحًا لرجالات الدولة السعودية الأولى، كما كان ملاذًا للمحتاجين وعابري السبيل.
وعُرفت بحسن الضيافة، وإكرام الضيف، ومساعدة الفقراء، وتقديم العون للمحتاجين دون تمييز، وهو ما عزز مكانتها الاجتماعية، ورسخ صورتها باعتبارها رمزًا للعطاء والكرم.
كما أسهمت في تقوية أواصر التكافل الاجتماعي، التي كانت من السمات البارزة للمجتمع في الدولة السعودية الأولى.
القيادة النسائية في المجتمع
تعكس سيرة غالية البقمية المكانة التي حظيت بها المرأة السعودية في المجتمع، حيث أثبتت أن المرأة كانت قادرة على إدارة الأموال، والإشراف على الممتلكات، واتخاذ القرارات، والمشاركة في القضايا الوطنية الكبرى.
وقد مثلت نموذجًا للقيادة المجتمعية، التي تجمع بين الحكمة، والشجاعة، والقدرة على خدمة المجتمع، دون أن تتخلى عن دورها الإنساني.
غالية البقمية في الذاكرة الوطنية
لا تزال غالية البقمية تحظى بمكانة كبيرة في التاريخ السعودي، إذ تُذكر باعتبارها إحدى أبرز النساء اللاتي وقفن إلى جانب الدولة السعودية الأولى في أصعب مراحلها.
وأصبحت سيرتها رمزًا للمرأة الوطنية التي سخّرت إمكاناتها لخدمة وطنها، وأسهمت في ترسيخ قيم الولاء والانتماء والتضحية.
كما تحرص المؤسسات الثقافية السعودية على إبراز دورها ضمن الشخصيات التاريخية التي كان لها أثر في بناء الدولة، تأكيدًا على المكانة التي احتلتها المرأة السعودية عبر التاريخ.
إرثها في ضوء رؤية المملكة 2030
يتجدد الحديث عن غالية البقمية اليوم بوصفها نموذجًا تاريخيًا يعكس الدور الفاعل للمرأة السعودية في خدمة وطنها، وهو ما يتناغم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي أكدت أهمية تمكين المرأة، وإبراز إسهاماتها في مختلف المجالات.
وتؤكد سيرتها أن مشاركة المرأة السعودية في التنمية ليست وليدة العصر الحديث، بل تمتد جذورها إلى بدايات تأسيس الدولة السعودية، حيث شاركت في التعليم، والعمل، والتجارة، والعمل الخيري، ودعم الأمن والاستقرار.
صفحة مشرفة في تاريخ الدولة السعودية
تمثل غالية البقمية صفحة مشرقة في تاريخ الدولة السعودية الأولى، فقد جمعت بين الحكمة، والكرم، والشجاعة، وحسن الإدارة، وأسهمت بجهودها في دعم الدولة خلال مرحلة مفصلية من تاريخها. ورغم مرور أكثر من قرنين على تلك الأحداث، لا تزال سيرتها مصدر فخر وإلهام، وشاهدًا على أن المرأة السعودية كانت، وما زالت، شريكًا أساسيًا في بناء الوطن وصناعة مستقبله.


