كتاب

حين ظَلمت مقولةٌ مشهورة المرأة والتاريخ

ليست كل عبارةٍ مشهورة حقيقة، بل قد تكون شهرتها سببًا في إخفاء جزءٍ من الحقيقة. ومن أكثر العبارات التي ظلمت التاريخ، قبل أن تظلم المرأة، مقولة: “وراء كل رجل عظيم امرأة”. فهي لا تخلو من الصدق، لكنها لا تقول الحقيقة كلها. فقد أصابت حين لفتت الانتباه إلى أثر المرأة في بناء الإنسان، وأخطأت حين اختزلت هذا الأثر في الوقوف وراء رجل يصنع المجد، بينما تكشف قراءة التاريخ أن المرأة كانت شريكًا في صناعة الإنسان، والعلم، والدولة، والحضارة.

ولعل سر انتشار هذه العبارة أنها لامست حقيقة إنسانية لا يجادل فيها أحد؛ فالتربية هي المدرسة الأولى، والأسرة هي المصنع الذي تتشكل فيه الشخصية قبل أن تصوغها المدرسة أو المجتمع. ولذلك نُقل عن الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن قوله: “كل ما أنا عليه، أو أرجو أن أكون عليه، أدين به لأمي”. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الحقيقة الجزئية إلى قانون يفسر التاريخ كله، وكأن المرأة لا تُعرف إلا من خلال الرجل.

ويكشف التاريخ الإسلامي أن هذا الاختزال لا يصمد أمام الوقائع. فلو أردنا تلخيص أدوار المرأة في الحضارة الإسلامية لوجدناها تدور حول ثلاثة ميادين كبرى: التأسيس، والتربية، والشراكة في الشأن العام.

ففي ميدان التأسيس تقف خديجة بنت خويلد رضي الله عنها نموذجًا فريدًا؛ إذ لم تكن زوجةً تؤازر زوجها فحسب، بل كانت أول من آمن برسالته، وأول من ثبّت فؤاده، وأول من سخّر مالها لنصرة الدعوة. لقد كانت شريكةً في لحظة التأسيس نفسها، لا شاهدةً عليها من بعيد.

وفي ميدان التربية حفظ التاريخ أسماء نساء لم يتولين حكمًا ولا قيادة جيوش، لكنهن صنعن الرجال الذين غيّروا وجه الحضارة. فقد وجهت أم الإمام الشافعي ابنها إلى طريق العلم، وربّت أم الإمام أحمد بن حنبل ولدها على الصبر والانضباط، وكان لإيمان أم الإمام البخاري ودعائها أثرٌ في مسيرته. ولم تكن هؤلاء النسوة يصنعن رجالًا عظامًا فحسب، بل كن يصنعن الإنسان الذي يحمل العلم والقيم، ومن الإنسان تبدأ كل حضارة.

أما الشراكة في الشأن العام، فهي الصورة التي كثيرًا ما تغفلها المقولات الشائعة. فقد كانت عائشة رضي الله عنها مرجعًا للفقه والحديث، وأسهمت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها في إنجاح الهجرة، وقدمت نسيبة بنت كعب رضي الله عنها مثالًا للشجاعة والمسؤولية. ولم يجمع بين هؤلاء النساء منصب ولا لقب، وإنما جمعتهن حقيقة واحدة: أن التاريخ لم يحصر المرأة في دور التابع، وإنما جاءت القراءات اللاحقة لتختزل ما كان التاريخ قد وسّعه.

وهذا المعنى لم ينقطع بانتهاء عصر النبوة، بل ظل حاضرًا في تاريخ المسلمين. ففي المملكة العربية السعودية كان لسارة بنت أحمد السديري أثرٌ في تنشئة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، كما عُرفت الأميرة نورة بنت عبدالرحمن برجاحة رأيها ومكانتها عند الموحد، حتى كان يعتز بقوله: “أنا أخو نورة”. ولم يكن ذلك مجرد تعبير عن المحبة، بل إقرارًا بأن صناعة القيادة تبدأ داخل الأسرة قبل أن تظهر في ميدان السياسة.

ومن هنا، فإن حضور المرأة السعودية اليوم في ميادين الدبلوماسية، والإدارة، والعمل المؤسسي، لا يمثل قطيعة مع التاريخ الإسلامي، بل تصحيحًا لاختزالٍ طرأ على قراءته. فالنماذج الوطنية المعاصرة، مثل الأميرة ريما بنت بندر آل سعود، والدكتور هلا بنت مزيد التويجري، والشيهانة بنت صالح العزاز، لا تؤكد أن المرأة أصبحت “أمام الرجل”، وإنما تؤكد أنها عادت إلى موقعها الطبيعي: شريكًا في صناعة المجتمع والدولة، لا تابعًا في هامشهما.

غير أن مراجعة هذه المقولة لا تكتمل بالاحتفاء بالنماذج المضيئة وحدها؛ لأن التاريخ لا يكتب سيرة الرجال أو النساء، وإنما يكتب سيرة الإنسان. ولذلك لم يجعل القرآن الكريم معيار الكرامة هو الجنس، بل الإيمان والعمل. فكما خلد مريم وآسية مثلًا للإيمان والثبات، خلد امرأة أبي لهب مثلًا للعداء والضلال، ليقرر قاعدة لا تتغير: أن الإنسان يُوزن بما يحمل من قيم، لا بكونه رجلًا أو امرأة.

ومن هنا يتبين أن الخطأ في المقولة ليس أنها اعترفت بأثر المرأة، بل أنها اختزلته. والمفارقة أن بعض الخطابات المعاصرة وقعت في الاختزال نفسه، وإن اختلفت شعاراتها؛ فالمقولة حصرت المرأة في نجاح الرجل، وبعض الاتجاهات النسوية حصرتها في الصراع معه، بينما حصرت بعض تيارات الإسلام السياسي رسالتها في أدوار ضيقة، مع أن التاريخ الإسلامي يقدم صورة أكثر اتساعًا وتوازنًا. وقد ظهر ذلك في بعض أدبيات الصحوة التي غلب عليها التضييق في مشاركة المرأة في المجال العام، وبلغ أشده في تجربة طالبان. واختلفت الشعارات، لكن بقي الاختزال واحدًا.

ولهذا تبدو التجربة السعودية المعاصرة جديرة بالتأمل؛ لأنها لم تقدم المرأة بوصفها بديلًا للرجل ولا منافسًا له، وإنما شريكًا في بناء المجتمع والدولة. وما شهدته المملكة من حضور نسائي في ميادين الدبلوماسية، والإدارة، والثقافة، والاقتصاد، لا يمثل خروجًا على الهوية الإسلامية، بل خروجًا على قراءة ضيقة لم تعرفها التجربة الإسلامية في أوسع عصورها.

ولعل هذه الرؤية هي التي عبّر عنها الملك الراحل عبد الله بن عبدالعزيز آل سعود – رحمه الله – حين قال: “المرأة هي أمي، وهي أختي، وهي ابنتي، وهي زوجتي”. وهي كلمات لا تُقرأ بوصفها مجاملة اجتماعية، بل بوصفها تلخيصًا لفلسفة ترى أن المرأة ليست قضية تُناقش، ولا تابعًا يُعرَّف بغيره، وإنما ركن أصيل في بناء الأسرة، والأسرة هي المدرسة الأولى التي يتشكل فيها الإنسان.

ليست المشكلة في أن وراء بعض الرجال العظماء نساءً عظيمات؛ فذلك حقيقة يشهد بها التاريخ. وإنما المشكلة في تحويل هذه الحقيقة إلى قانون يختزل المرأة والتاريخ معًا. فالمرأة ليست وظيفة في حياة الرجل، بل شريك في صناعة الإنسان، وإذا كان الإنسان هو المادة الخام للحضارات، فإن السؤال لم يعد: من وراء الرجل العظيم؟ بل: من الذي صنع هذا الإنسان؟ وهناك تبدأ الحكاية كلها.

إلى اللقاء
عبدالعزيز الموسى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى