المرأة السعوديةالتمكين

تمكين المرأة السعودية في القطاع غير الربحي.. مسيرة وطنية نحو قيادة التنمية وصناعة الأثر

مجلة السفيرة توثق ريادة المرأة السعودية في القطاع غير الربحي

تقرير : احمد الزيلعي

في ظل التحولات الوطنية الكبرى التي تشهدها المملكة العربية السعودية، أصبحت المرأة السعودية أحد أبرز محركات التنمية، بعدما انتقلت من مرحلة التمكين إلى مرحلة القيادة وصناعة القرار في مختلف القطاعات، وعلى رأسها القطاع غير الربحي، الذي يمثل اليوم أحد أهم ركائز التنمية المستدامة وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030. ولم يعد حضور المرأة في هذا القطاع مجرد مشاركة في الأعمال التطوعية أو الخيرية، بل أصبح حضورًا مؤثرًا في صياغة السياسات، وقيادة المؤسسات، وإدارة المبادرات المجتمعية، وابتكار الحلول التنموية التي تسهم في تحسين جودة الحياة وتعزيز الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية.

ونقلًا عن النشرة النسوية لوكالة الأنباء السعودية ضمن الخدمة الإعلامية النسوية لاتحاد وكالات الأنباء العربية “فانا” توثّق مجلة السفيرة تطوّر تمكين المرأة في القطاع غير الربحي.

القطاع غير الربحي في المملكة نموًا متسارعًا

ويشهد القطاع غير الربحي في المملكة نموًا متسارعًا، مدفوعًا بحزمة من التشريعات والإصلاحات الحكومية التي هدفت إلى رفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، وتوسيع قاعدة العمل التطوعي، وتعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني، وهو ما أوجد بيئة داعمة مكّنت المرأة السعودية من الإسهام بصورة فاعلة في مسيرة التنمية الوطنية، سواء من خلال العمل التنفيذي أو القيادي أو التطوعي.

رؤية 2030.. نقطة التحول

مثلت رؤية المملكة 2030 نقطة تحول تاريخية في مسيرة تمكين المرأة السعودية، حيث وضعت الإنسان في قلب التنمية، ووفرت إطارًا تشريعيًا وتنظيميًا مكّن المرأة من الوصول إلى فرص متكافئة في التعليم والعمل والقيادة، مع تعزيز حضورها في مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.

وفي القطاع غير الربحي، انعكس هذا التحول بصورة واضحة من خلال زيادة أعداد الجمعيات والمؤسسات الأهلية، وارتفاع حجم المبادرات المجتمعية، وتنامي مساهمة المرأة في مجالس الإدارات والإدارات التنفيذية، إضافة إلى دورها في تصميم البرامج التنموية وقياس أثرها الاجتماعي، بما يتماشى مع أفضل الممارسات العالمية في الحوكمة والاستدامة.

من العمل الخيري إلى التنمية المستدامة

لم يعد مفهوم القطاع غير الربحي في المملكة مقتصرًا على تقديم المساعدات الإنسانية أو تنظيم الحملات الخيرية، بل تحول إلى قطاع تنموي متكامل يعمل وفق إستراتيجيات طويلة المدى، ويعتمد على التخطيط، والابتكار، وقياس الأثر، والاستثمار الاجتماعي، وهو ما أوجد مساحات واسعة أمام المرأة السعودية لإبراز قدراتها القيادية.

وباتت المرأة تشارك في إعداد الخطط الإستراتيجية، وإدارة المحافظ التنموية، وقيادة برامج المسؤولية المجتمعية، والإشراف على المبادرات الصحية والتعليمية والثقافية والبيئية، فضلًا عن دورها في تعزيز الاستدامة المالية للمؤسسات غير الربحية من خلال تنمية الموارد والشراكات الإستراتيجية.

الجامعات شريك في التنمية

أكدت المستشار بوزارة التعليم الدكتورة نجاح القرعاوي أن خدمة المجتمع تمثل الوظيفة الثالثة الأصيلة للجامعات إلى جانب التعليم والبحث العلمي، مشيرة إلى أن الجامعات لم تعد مؤسسات تعليمية معزولة، بل أصبحت شريكًا إستراتيجيًا في التنمية الوطنية، من خلال بناء شراكات مستدامة مع القطاع غير الربحي، وتطوير مبادرات مجتمعية ذات أثر طويل المدى.

وأوضحت أن الجامعات تعمل على تفعيل المسؤولية المجتمعية عبر أطر مؤسسية واضحة، وتشجع منسوبيها على الانخراط في العمل التطوعي، بما يسهم في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 وأهداف التنمية المستدامة. كما أشارت إلى تجربتها في تأسيس عمادة خدمة المجتمع والتنمية المستدامة بجامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل، التي اعتمدت نموذجًا جديدًا يقوم على عقد شراكات تنموية مع الجمعيات والمؤسسات الأهلية، بعيدًا عن المبادرات الموسمية أو المؤقتة.

ومن أبرز المبادرات التي تناولها التقرير “برنامج دافع الوطني للسلامة من الكوارث”، الذي أسهم في تخريج أكثر من 1500 متطوع ما زالوا يقدمون خدماتهم للمجتمع بالتعاون مع الجهات الحكومية وغير الربحية، إلى جانب تأسيس “بنك المسؤولية المجتمعية” الذي حصل على براءة اختراع أمريكية، بوصفه نموذجًا مبتكرًا لتوثيق وقياس جهود الجامعات في خدمة المجتمع.

نماذج نسائية صنعت الفرق

ويبرز التقرير مجموعة من النماذج النسائية السعودية التي تركت بصمة واضحة في القطاع غير الربحي، وأسهمت في قيادة مبادرات تنموية في مجالات الإعاقة، والطفولة، والصحة، والثقافة، وحماية البيئة، وتمكين الفئات الأكثر احتياجًا.

وأكدت الدكتورة فردوس فالته أن المملكة تزخر بقيادات نسائية أثبتت قدرة المرأة السعودية على قيادة التغيير المجتمعي، من خلال تأسيس وإدارة برامج متخصصة لدعم الأشخاص ذوي الإعاقة وصعوبات التعلم، وتعزيز الدمج المجتمعي، ونشر ثقافة الحقوق، إلى جانب تطوير مبادرات لحماية الطفل وتنمية مهاراته، وتعزيز جودة الحياة.

كما أشارت الدكتورة ملك قطان إلى عدد من الشخصيات النسائية التي أصبحت نماذج وطنية في القيادة المؤسسية، من بينهن صاحبة السمو الملكي الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان، التي أسهمت في العديد من المبادرات التنموية والاجتماعية والرياضية، والدكتورة هلا التويجري، التي تقود ملفات تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها في مواقع صنع القرار، والأميرة لمياء بنت ماجد، التي قادت مؤسسة تعمل وفق منهجيات الحوكمة وقياس الأثر والشراكات الدولية، إضافة إلى هدى الجريسي ونهى الزامل، اللتين قدمتا إسهامات بارزة في تطوير المبادرات الاجتماعية وتمكين المرأة اقتصاديًا.

الذكاء الاصطناعي وتمكين المرأة

وتناول التقرير الدور المتنامي للتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في دعم المرأة السعودية، حيث أوضحت الرئيس التنفيذي لجمعية النهضة الدكتورة مزنة العمير أن التقنيات الحديثة أصبحت أداة أساسية لتمكين المرأة وتعزيز مشاركتها الاقتصادية والاجتماعية، مع التأكيد على أهمية معالجة التحديات المرتبطة بالفجوة الرقمية والأمن السيبراني والعنف الرقمي.

وأضافت أن الجمعية تنفذ برامج تدريبية متخصصة في المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال التقنية، إلى جانب توفير الاستشارات والدعم اللازمين لمساعدة المرأة على التكيف مع المتغيرات الرقمية، مؤكدة أن القيادة في عصر البيانات تعتمد على القدرة على تحليل المعلومات وقياس الأثر الاجتماعي واستشراف المستقبل، بما يعزز كفاءة المؤسسات غير الربحية واستدامتها.

وتسعى جمعية النهضة إلى تعزيز ثقافة الابتكار من خلال تطوير أنظمة إلكترونية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات، بما يساعد القيادات النسائية على اتخاذ قرارات أكثر دقة وتحقيق أهدافها الإستراتيجية بكفاءة أعلى.

مستقبل أكثر إشراقًا

ويؤكد التقرير أن مستقبل المرأة السعودية في القطاع غير الربحي يتجه نحو مزيد من التأثير والقيادة، في ظل استمرار تطوير البيئة التشريعية والتنظيمية، وارتفاع أعداد المنظمات غير الربحية، وتوسع فرص التطوع والاستثمار الاجتماعي، وزيادة الاعتماد على التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في إدارة المبادرات التنموية.

كما تتوقع الدراسات الوطنية توسع حضور المرأة في مجالات الابتكار الاجتماعي، وإدارة الأوقاف، والاستدامة المالية، وتحليل البيانات، وصناعة السياسات التنموية، بما يعزز مساهمة القطاع غير الربحي في الاقتصاد الوطني، ويرسخ مكانة المملكة بوصفها نموذجًا عالميًا في تمكين المرأة وتحقيق التنمية المستدامة.

وفي ضوء هذه التحولات، لم تعد قصة المرأة السعودية في القطاع غير الربحي مجرد نجاحات فردية، بل أصبحت جزءًا من مشروع وطني شامل يستثمر في الإنسان، ويؤمن بقدراته، ويضعه في صدارة أولويات التنمية. وبينما تتواصل مسيرة الإصلاح والتطوير، تواصل المرأة السعودية كتابة فصل جديد من الإنجاز، يؤكد أن تمكينها لم يعد هدفًا بحد ذاته، بل أصبح وسيلة لصناعة أثر تنموي مستدام، وبناء مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وفق مستهدفات رؤية المملكة 2030.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى