البطل المنسي.. لماذا يمر عيد الأب في صمت؟

في كل عام، تمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي برسائل الحب والامتنان للأمهات، وتتنافس الشركات والمتاجر في تقديم العروض والهدايا احتفالا بعيد الأم. لكن مع حلول يوم الأب، يبدو المشهد أكثر هدوءا، وكأن الرجل الذي حمل على عاتقه مسؤولية الأسرة لسنوات طويلة يمر عيده دون الضجيج نفسه أو الاهتمام ذاته.
ورغم أن الأب يمثل أحد الأعمدة الرئيسية في بناء الأسرة، فإن الاحتفاء به لا يزال أقل حضورا مقارنة بالأم، ما يثير تساؤلا يتكرر كل عام: لماذا يحتفل الناس بعيد الأم أكثر من عيد الأب؟
الأم حاضرة في التفاصيل اليومية
يرى متخصصون أن ارتباط الأبناء بالأم يبدأ منذ اللحظات الأولى للحياة، فهي الأقرب إلى الطفل والأكثر التصاقا بتفاصيله اليومية، من الرعاية والتغذية إلى المتابعة والاحتواء العاطفي. هذا الحضور المستمر يجعل التعبير عن الامتنان للأم أكثر وضوحا في أذهان الأبناء.
أما الأب، فعلى الرغم من دوره المحوري، فإن طبيعة مسؤولياته العملية وخروجه لساعات طويلة لتوفير احتياجات الأسرة قد تجعله أقل ظهورا في المشهد اليومي، رغم أن تأثيره لا يقل أهمية.
بطل صامت خلف الكواليس
غالبا ما يرتبط الأب في الوعي الجمعي بدور الحماية وتوفير الأمان وتحمل المسؤولية. فهو الشخص الذي يعمل بصمت، ويضع احتياجات أسرته قبل احتياجاته، دون أن ينتظر كلمات الشكر أو عبارات التقدير.
هذا الدور الصامت جعل كثيرين ينظرون إلى تضحيات الأب باعتبارها “واجبا طبيعيا”، بينما يتم الاحتفاء بشكل أكبر بالدور العاطفي الظاهر الذي تقوم به الأم.
قصة بدأت قبل أكثر من قرن
بدأ الاحتفال بيوم الأب عام 1909 في الولايات المتحدة، عندما طالبت فتاة بتخصيص يوم لتكريم والدها الذي تولى تربيتها وإخوتها بعد وفاة والدتهم. وبعد عام واحد أقيم أول احتفال رسمي بهذه المناسبة، قبل أن تنتشر الفكرة في العديد من دول العالم.
ورغم مرور أكثر من مئة عام على انطلاق المناسبة، فإنها لم تحقق الانتشار الجماهيري نفسه الذي يحظى به عيد الأم في كثير من المجتمعات.
الأب.. أكثر من مصدر للإنفاق
تؤكد الدراسات النفسية أن دور الأب لا يقتصر على توفير الاحتياجات المادية، بل يمتد إلى بناء شخصية الأبناء وتعزيز ثقتهم بأنفسهم وغرس القيم والمبادئ داخل الأسرة.
وجود الأب المتفاعل في حياة أبنائه يمنحهم شعورا بالأمان والاستقرار النفسي، ويساعدهم على مواجهة التحديات المختلفة بثقة أكبر. كما أن علاقة الأب بابنته تترك أثرا عميقا في تكوين شخصيتها ونظرتها للعلاقات الإنسانية مستقبلا، بينما يمثل بالنسبة لابنه النموذج الأول لمعاني المسؤولية والاعتماد على النفس.
تحديات العصر تقلص المسافات العاطفية
في السنوات الأخيرة، واجه الآباء تحديات جديدة فرضتها التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي. فالأب لم يعد المصدر الوحيد للتوجيه والمعرفة، وأصبح ينافسه عالم رقمي مفتوح يستحوذ على اهتمام الأبناء.
كما أن ضغوط العمل وساعات الانشغال الطويلة قد تخلق فجوة عاطفية غير مقصودة بين الآباء وأبنائهم، رغم وجودهم داخل المنزل، وهو ما يدفع كثيرا من الخبراء إلى المطالبة بإعادة الاعتبار لدور الأب العاطفي وليس فقط دوره المادي.
هل يحتاج الآباء إلى عيد؟
ربما لا ينتظر كثير من الآباء الهدايا أو الاحتفالات، لكنهم يحتاجون إلى الاعتراف بقيمة ما يقدمونه يوميا لأسرهم. فكما تستحق الأم كلمات الامتنان والتقدير، يستحق الأب أيضا أن يسمع من أبنائه عبارة بسيطة تختصر سنوات من العطاء:
“شكرًا لأنك كنت السند عندما احتجناك، والحائط الذي استندنا إليه دون أن نشعر.”
ففي النهاية، لا تقوم الأسرة على الأم وحدها أو الأب وحده، بل على شراكة إنسانية يصنعها طرفان، يستحق كل منهما أن يحظى بالتقدير والاحتفاء.