التمكين

الأميرة موضي بنت خالد.. مسيرة استثنائية في قيادة العمل التنموي وتمكين المرأة

في تاريخ العمل الاجتماعي بالمملكة العربية السعودية، برزت أسماء عديدة أسهمت في ترسيخ ثقافة العطاء والعمل المؤسسي، إلا أن اسم صاحبة السمو الملكي الأميرة موضي بنت خالد بن عبدالعزيز آل سعود يحتل مكانة خاصة، لما قدمته من جهود امتدت لعقود في تطوير القطاع غير الربحي، وتمكين المرأة، وتعزيز الاستدامة المؤسسية، وصناعة مبادرات تحولت إلى نماذج وطنية يحتذى بها.

صاحبة السمو الملكي الأميرة موضي بنت خالد بن عبدالعزيز آل سعود
صاحبة السمو الملكي الأميرة موضي بنت خالد بن عبدالعزيز آل سعود

ولم يأتِ هذا الحضور نتيجة مناصب شغلتها فحسب، بل جاء ثمرة رؤية طويلة المدى آمنت بأن التنمية تبدأ بالإنسان، وأن الاستثمار الحقيقي يكمن في بناء القدرات، وإيجاد بيئة تتيح للمرأة المشاركة في صناعة القرار والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

أكثر من خمسة عقود في خدمة المجتمع

بدأت الأميرة موضي رحلتها مع العمل الاجتماعي منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، عندما انضمت إلى جمعية النهضة، إحدى أقدم الجمعيات النسائية في المملكة. ومنذ ذلك الوقت، واكبت جميع مراحل تطور الجمعية، وأسهمت في انتقالها من مؤسسة تقدم المساعدات التقليدية إلى مؤسسة تنموية تعتمد على الابتكار، والحوكمة، وقياس الأثر، والشراكات الاستراتيجية.

ومع توليها رئاسة مجلس إدارة الجمعية، عملت على إعادة صياغة دور النهضة بما يتوافق مع التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة، واضعةً نصب عينيها تحقيق أثر مستدام يتجاوز تقديم الخدمات المباشرة إلى صناعة حلول تنموية طويلة الأجل.

قيادة التحول المؤسسي في جمعية النهضة

يُحسب للأميرة موضي أنها قادت واحدة من أهم مراحل التطوير في تاريخ جمعية النهضة، حيث تبنت نهجًا يقوم على الحوكمة المؤسسية، وتطوير الكفاءات، وقياس أثر البرامج، وربط المبادرات بأهداف التنمية الوطنية.

وخلال هذه المرحلة، أصبحت الجمعية نموذجًا في إدارة المؤسسات غير الربحية، واستطاعت أن تبني شراكات مع وزارات وهيئات حكومية، وشركات وطنية، ومنظمات دولية، مما عزز قدرتها على الوصول إلى شرائح أكبر من المستفيدات، وتقديم برامج أكثر تأثيرًا واستدامة.

كما ركزت على تحويل المرأة من متلقية للدعم إلى شريك في التنمية، عبر برامج التدريب، والتوظيف، وريادة الأعمال، والتمكين الاقتصادي، وهو ما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.

أول منظمة سعودية نسائية تحظى بحضور دولي مؤثر

من أبرز الإنجازات التي تحققت خلال مسيرة النهضة، حصول الجمعية عام 2019 على الصفة الاستشارية لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة (ECOSOC)، وهو إنجاز يعكس الاعتراف الدولي بخبرة الجمعية ومساهمتها في قضايا التنمية وتمكين المرأة.

كما قادت الجمعية مجموعة المرأة العشرين (W20) خلال رئاسة المملكة لمجموعة العشرين في عام 2020، بعد منحها الثقة الملكية لهذه المهمة الوطنية، لتكون صوت المرأة السعودية أمام المجتمع الدولي، وتسهم في صياغة توصيات ركزت على المشاركة الاقتصادية، والشمول المالي، وريادة الأعمال، والتحول الرقمي.

دعم صناعة القرار بالأبحاث

ومن الإنجازات المهمة التي ارتبطت بقيادة الأميرة موضي، إنشاء مركز النهضة للأبحاث عام 2017، والذي أصبح منصة بحثية متخصصة في دراسة واقع المرأة السعودية والتحديات التي تواجهها.

ولا يقتصر دور المركز على إصدار الدراسات، بل يعمل على توفير بيانات علمية تساعد صناع القرار في تصميم سياسات أكثر فاعلية، وهو ما يعكس إيمانها بأن التنمية الناجحة يجب أن تستند إلى المعرفة، لا إلى الاجتهادات الفردية.

رائدة في تمكين المرأة

ترى الأميرة موضي أن تمكين المرأة لا يتحقق بالشعارات، بل بإتاحة الفرص الحقيقية للتعليم والعمل والقيادة.

ولهذا دعمت عشرات المبادرات التي استهدفت:

  • رفع نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل.
  • تطوير القيادات النسائية.
  • تعزيز الثقافة المالية.
  • دعم رائدات الأعمال.
  • توفير فرص التدريب والتأهيل.
  • بناء شبكات مهنية للسيدات السعوديات.

كما دعمت مبادرات نوعية مثل “صلة” للسيدات المهنيات، و**”فرصة”** للإلحاق الأكاديمي، و**”مستقبلي”** الذي يساعد الطالبات على التخطيط لمسارهن المهني.

اهتمام خاص بذوي الإعاقة

لم تقتصر جهودها على المرأة، بل امتدت إلى ذوي الإعاقة، حيث دعمت تأسيس أول مركز متخصص لتعليم وتأهيل الأطفال من ذوي متلازمة داون في الشرق الأوسط، والذي تطور لاحقًا إلى جمعية صوت لمتلازمة داون.

كما دعمت برامج التأهيل المهني للفتيات من ذوات الإعاقة، وسعت إلى دمجهن في سوق العمل، انطلاقًا من قناعتها بأن التنمية الحقيقية لا تستثني أحدًا.

الحفاظ على التراث الوطني

ومن المبادرات التي تعكس رؤيتها الشاملة، دعمها لمشروع فنون التراث، الذي يهدف إلى إحياء الحرف والصناعات التقليدية السعودية، وتحويلها إلى مصدر دخل للنساء، مع الحفاظ على الهوية الثقافية للمملكة.

وقد جمع المشروع بين البعد الاقتصادي والثقافي، ليصبح نموذجًا للاستثمار في التراث باعتباره أحد مكونات التنمية المستدامة.

مؤسسة الملك خالد

يشكل عمل الأميرة موضي في مؤسسة الملك خالد محطة بارزة في مسيرتها، حيث أسهمت في تطوير برامج المؤسسة المتعلقة بالتنمية الاجتماعية، وبناء قدرات الجمعيات، وتمكين القطاع غير الربحي.

كما دعمت مبادرات قياس الأثر، والحوكمة، والابتكار الاجتماعي، وهو ما انعكس على رفع كفاءة المؤسسات الأهلية في المملكة.

عضوية مجلس الشورى

في عام 2013، كانت الأميرة موضي ضمن أول مجموعة من النساء اللاتي انضممن إلى مجلس الشورى، في خطوة تاريخية عززت حضور المرأة السعودية في الحياة العامة.

وخلال عضويتها، أولت اهتمامًا بالقضايا الاجتماعية، وتمكين المرأة، والعمل التطوعي، وتنمية القطاع غير الربحي، وأسهمت في مناقشة العديد من الملفات ذات البعد التنموي.

فلسفة قيادية مختلفة

ما يميز تجربة الأميرة موضي هو تركيزها على بناء المؤسسات بدلاً من الاعتماد على الأفراد، فهي تؤمن بأن المؤسسة الناجحة هي التي تستمر في تحقيق رسالتها مهما تغيرت القيادات.

ولهذا ركزت على:

  • الحوكمة والشفافية.
  • بناء القيادات الشابة.
  • قياس الأثر.
  • الاستدامة المالية.
  • الابتكار.
  • الشراكات الاستراتيجية.

جوائز وتقدير

حظيت الأميرة موضي بتقدير واسع محليًا ودوليًا، كما حصلت المؤسسات التي تقودها على عدد من الجوائز في مجالات التميز المؤسسي، والابتكار الاجتماعي، وتمكين المرأة، وهو ما يعكس نجاح النهج الذي تبنته في إدارة العمل غير الربحي.

رؤية تنسجم مع رؤية السعودية 2030

تتوافق جهود الأميرة موضي مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، لا سيما في:

  • رفع مساهمة القطاع غير الربحي.
  • تمكين المرأة اقتصاديًا.
  • تعزيز العمل التطوعي.
  • تنمية رأس المال البشري.
  • دعم الابتكار الاجتماعي.
  • بناء شراكات تنموية مستدامة.

وقد نجحت في تحويل هذه المستهدفات إلى برامج ومبادرات ملموسة انعكست آثارها على آلاف المستفيدين في مختلف مناطق المملكة.

إرث تنموي مستدام

بعد أكثر من نصف قرن من العمل المتواصل، أصبحت الأميرة موضي بنت خالد بن عبدالعزيز آل سعود واحدة من أبرز القيادات النسائية في المملكة، ليس فقط بسبب المناصب التي تقلدتها، بل لأنها أسهمت في بناء مؤسسات قوية، وإطلاق مبادرات مستدامة، وترسيخ ثقافة العمل المؤسسي في القطاع غير الربحي.

وتبقى تجربتها نموذجًا ملهمًا في القيادة التنموية، حيث جمعت بين الرؤية الاستراتيجية، والإدارة المؤسسية، والالتزام بقضايا المجتمع، لتترك بصمة واضحة في مسيرة تمكين المرأة وتطوير العمل الاجتماعي في المملكة العربية السعودية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى