الأديبة د. سارة طالب السهيل: سعدت بالنهضة الثقافية في الرياض
والحراك الثقافي الحالي يُمهّد لمبادرات تجمع الشمل وتؤسس لوحدة الهوية الثقافية العربية

كتب-أحمد الزيلعي- هاتفيًا الرياض
في المشهد الثقافي العربي، تبرز أسماء استطاعت أن تجعل من الكلمة رسالة، ومن الأدب وسيلة لبناء الإنسان وترسيخ القيم الإنسانية، ومن بين هذه الأسماء تبرز الأديبة العراقية الأردنية الدكتورة سارة طالب السهيل، التي استطاعت خلال سنوات طويلة أن تشق لنفسها طريقًا مميزًا في عالم الأدب والفكر والثقافة، وأن تُقدم تجربة إبداعية ثرية جمعت بين الرواية والقصة والشعر وأدب الطفل والدراسات الفكرية، حتى أصبحت واحدة من أبرز الكاتبات العربيات اللواتي كرّسن أعمالهن لخدمة الإنسان، ولا سيما الطفل العربي.
وأعربت الأديبة عن سعادتها البالغة بالنهضة الثقافية التي تشهدها السعودية، مؤكدة أنها تسعى لتحقيق وحدة الهوية العربية الثقافية، وتحقيق الربط بين الأدباء والمفكرين العرب من المحيط للخليج، والتركيز على العوامل المشتركة.
وكشفت السهيل أن هناك خطوة ومشاورات في الوقت الحالي؛ لدعم تأسيس الوحدة الثقافية العربية، من خلال إطلاق مبادرة؛ لتعزيز الهوية العربية الثقافية.
وترصد مجلة السفيرة في التقرير التالي أهم المحطات في المشوار الأدبي للأديبة الكبيرة سارة طالب السهيل.
اقرأ أيضًا ..
من هدى شعراوي إلى بنت الشاطئ: كيف تغيّرت صورة المرأة العربية

مسيرة من الاجتهاد والقراءة والبحث
لم يكن حضور سارة السهيل في الساحة الثقافية وليد الصدفة، بل جاء نتيجة مسيرة طويلة من الاجتهاد والبحث والقراءة والتجربة، إلى جانب انتمائها إلى بيئة ثقافية وسياسية أسهمت في تشكيل وعيها المبكر. فقد نشأت في أسرة عراقية عُرفت بحضورها الوطني والاجتماعي، الأمر الذي أتاح لها منذ طفولتها الاحتكاك بالمثقفين والمفكرين، والاستماع إلى النقاشات الفكرية التي كانت تدور داخل محيطها الأسري، وهو ما أسهم في بناء شخصيتها الأدبية وصقل موهبتها منذ سنواتها الأولى.

القراءة نافذة على العالم
وتشير السهيل في عدد من حواراتها الصحفية إلى أن علاقتها بالكُتب بدأت في مرحلة مبكرة من العمر، حيث كانت القراءة تمثل بالنسبة لها نافذة واسعة لفهم العالم، كما وجدت في الكتابة وسيلة للتعبير عن مشاعرها وأفكارها، قبل أن تتحول هذه الموهبة إلى مشروع ثقافي متكامل حملته معها في مختلف مراحل حياتها. وقد كتبت أولى محاولاتها الأدبية وهي لا تزال طفلة، لتبدأ رحلة طويلة مع الكلمة جعلتها لاحقًا واحدة من أبرز الكاتبات العربيات في مجال أدب الطفل والثقافة الإنسانية.

الأدب رسالة أخلاقية وتربوية
ورغم تنوع المجالات التي كتبت فيها، فإن القاسم المشترك بين جميع أعمالها يتمثل في الإيمان العميق بأن الأدب ليس مجرد نصوص جميلة أو حكايات مسلية، وإنما رسالة أخلاقية وتربوية وإنسانية يمكن أن تسهم في بناء المجتمعات وصناعة المستقبل. ولهذا جاءت أعمالها حافلة بقيم التسامح، والمحبة، والتعاون، والانتماء، واحترام الآخر، والحوار، والعدالة، وهي القيم التي ترى أنها تشكل الأساس الحقيقي لبناء الإنسان.

الأديبة سارة السهيل وأدب الطفل
وقد أولت سارة السهيل اهتمامًا كبيرًا بأدب الطفل، انطلاقًا من قناعتها بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الطفولة، وأن الطفل الذي يقرأ قصة جيدة اليوم سيكون مواطنًا أكثر وعيًا وإبداعًا في المستقبل. ولذلك حرصت على أن تقدم للطفل العربي أعمالًا تجمع بين المتعة والفائدة، بعيدًا عن أسلوب الوعظ المباشر، معتمدة على السرد المشوق، والشخصيات القريبة من عالم الطفل، والحبكات التي تثير الفضول وتغرس القيم بطريقة غير مباشرة.

قصص الأديبة للأطفال تُمني القيم
وتتميز قصصها للأطفال بأنها لا تكتفي بتقديم أحداث خيالية، بل تنطلق من مشكلات واقعية يعيشها الطفل العربي، مثل أهمية الصدق، واحترام البيئة، والعمل الجماعي، وتقبل الاختلاف، والالتزام بالمسؤولية، وحب الوطن، والتمسك بالقيم الأسرية. كما توظف الخيال بطريقة تربوية تساعد الطفل على التفكير والتحليل واتخاذ القرار، وهو ما جعل أعمالها تحظى باهتمام المربين والمعلمين وأولياء الأمور، إلى جانب القراء الصغار.

الثقافة أداة فاعلة لمواجهة التطرّف
ولا تقف تجربة السهيل عند حدود الكتابة الإبداعية، بل تمتد إلى المجال الفكري والإنساني، إذ تؤمن بأن الثقافة قادرة على مواجهة مظاهر التطرّف والعنف والكراهية، وأن الكتاب يمكن أن يكون أداة فاعلة لنشر السلام وتعزيز الحوار بين الشعوب. ولهذا تناولت في مقالاتها وندواتها قضايا تمكين المرأة، وحقوق الطفل، والتعايش، والتعليم، ودور الثقافة في التنمية، مؤكدة أن التنمية الحقيقية تبدأ ببناء الإنسان فكريًا وأخلاقيًا.

وانعكست خلفيتها الأكاديمية واهتمامها بعلم النفس والتربية على أسلوبها الأدبي، حيث تبدو شخصياتها مدروسة بعناية، وحواراتها قريبة من الواقع، ورسائلها التربوية منسجمة مع احتياجات الأطفال والناشئة في العصر الحديث. كما تحرص على مواكبة التحولات الاجتماعية والتكنولوجية، فتطرح في بعض أعمالها موضوعات تتعلق بالذكاء الاصطناعي، والبيئة، والمسؤولية الرقمية، وأهمية التفكير النقدي، بما يجعل نصوصها معاصرة وقادرة على مخاطبة الأجيال الجديدة.

أشهر مؤلفات سارة السهيل
وخلال مسيرتها، أصدرت سارة طالب السهيل عشرات المؤلفات التي تنوعت بين القصة والرواية والشعر وأدب الطفل، ومن أبرز أعمالها: «سلمى والفئران الأربعة»، و**«نعمان والأرض الطيبة»، و«ندى وطائر العقاقير»، و«تصريح دخول»**، إلى جانب دواوين شعرية ونصوص إنسانية تعكس اهتمامها بالوطن والهوية والسلام. وقد ترجمت بعض أعمالها إلى لغات أخرى، الأمر الذي أسهم في وصول رسالتها إلى جمهور أوسع خارج العالم العربي، وعزز حضورها في المحافل الثقافية الدولية.

الكاتب الحقيقي يكتب للإنسان أولًا
ومن خلال هذا المشروع الأدبي المتنوع، استطاعت سارة السهيل أن تؤكد أن الأدب العربي قادر على مواكبة التغيرات العالمية دون أن يفقد هويته الثقافية، وأن الكاتب الحقيقي هو من يكتب للإنسان أولًا، ويجعل من الإبداع وسيلة لنشر الخير والجمال والمعرفة، وهي المبادئ التي شكلت جوهر تجربتها منذ بداياتها وحتى اليوم.

سارة السهيل أديبة شاملة ومشروع أدبي متكامل
إذا كان أدب الطفل يمثل الركيزة الأساسية في تجربة الدكتورة سارة طالب السهيل، فإن مشروعها الأدبي لا يقتصر على هذا اللون من الكتابة، بل يمتد إلى الرواية والشعر والمقالة والدراسات الفكرية، حيث تتقاطع في أعمالها الموضوعات الإنسانية مع الرؤية التربوية والثقافية. وتؤمن السهيل بأن الكاتب لا ينبغي أن يكون مجرد راوٍ للأحداث، بل صاحب رسالة يسهم في تشكيل الوعي العام، ويطرح الأسئلة التي تساعد المجتمع على مراجعة ذاته والبحث عن مستقبل أكثر استقرارًا وإنسانية.

مؤلفات سارة السهيل تعكس واقع الإنسان العربي وتفتح آفاق التأمل
وتكشف أعمالها الأدبية عن اهتمام واضح بالقضايا الاجتماعية، إذ تتناول موضوعات الأسرة، والتعليم، والهوية، والانتماء، والتسامح، والعلاقات الإنسانية، وتحرص على تقديم شخصيات قريبة من الواقع تعكس التحديات التي تواجه الإنسان العربي في حياته اليومية. كما تبتعد عن الخطاب المباشر، مفضلةً أن تترك للقارئ مساحة للتأمل واستخلاص الدلالات، وهو ما منح نصوصها طابعًا تربويًا وفنيًا في آنٍ واحد.
لغة أدبية بسيطة ومعانٍ عميقة
ومن أبرز ما يميز تجربة سارة السهيل قدرتها على مخاطبة الأطفال بلغة بسيطة وأنيقة دون أن تقلل من قيمة الفكرة أو عمق الرسالة. فهي ترى أن الطفل يمتلك قدرة كبيرة على الفهم إذا قُدمت له الفكرة في قالب إبداعي مناسب، ولذلك تعتمد في قصصها على الحوار، والخيال، والمغامرة، والمواقف الإنسانية، بما يجعل الطفل يتفاعل مع الشخصيات والأحداث بصورة طبيعية. وقد أسهم هذا الأسلوب في انتشار أعمالها داخل عدد من المدارس والمكتبات والمعارض العربية، حيث وجدت صدىً لدى المعلمين وأولياء الأمور المهتمين بتنمية عادة القراءة لدى الأبناء.
قضية المرأة حجر الزاوية في مؤلفات سارة السهيل
وتحظى قضية المرأة بمكانة بارزة في فكرها، إذ تؤكد في كتاباتها ومشاركاتها الثقافية أن تمكين المرأة لا يقتصر على منحها الفرص، وإنما يبدأ بتوفير التعليم الجيد، وتنمية الوعي، وتعزيز الثقة بالنفس، وإتاحة المجال أمامها للمشاركة الفاعلة في التنمية. وترى أن المرأة العربية أثبتت قدرتها على النجاح في مختلف المجالات، وأن الثقافة تمثل أحد أهم الأدوات التي تمكنها من أداء دورها في بناء المجتمع والحفاظ على تماسك الأسرة.
الأدب يُعبّد الطريق نحو السلام ويبني جسور التواصل بين الشعوب
كما اهتمت السهيل بقضايا السلام والحوار بين الثقافات، خاصة في ظل ما شهدته المنطقة العربية من صراعات وأزمات خلال العقود الماضية. وانطلاقًا من هذه الرؤية، أكدت في أكثر من مناسبة أن الأدب قادر على بناء جسور التواصل بين الشعوب، وأن الثقافة تمثل لغة مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية والانتماءات الضيقة، داعيةً إلى ترسيخ قيم التعايش واحترام التنوع ونبذ الكراهية والعنف.
المؤتمرات والملتقيات
ولم تكتفِ بالكتابة من خلف المكتب، بل شاركت في العديد من المؤتمرات والملتقيات الثقافية داخل الوطن العربي وخارجه، حيث قدمت أوراقًا بحثية ومحاضرات تناولت أهمية أدب الطفل، ودور الثقافة في التنمية، وسبل تعزيز القراءة لدى الأجيال الجديدة. كما أسهمت في ورش عمل متخصصة هدفت إلى تشجيع المواهب الشابة على دخول عالم الكتابة والإبداع، انطلاقًا من إيمانها بأن الاستثمار الحقيقي يكمن في دعم الكفاءات الجديدة وإتاحة الفرصة لها للتعبير عن أفكارها.
جوائز وتكريمات سارة السهيل
وحظيت تجربتها الأدبية بتقدير واسع من المؤسسات الثقافية والإعلامية، فنالت عددًا من الجوائز وشهادات التكريم تقديرًا لإسهاماتها في خدمة الثقافة العربية وأدب الطفل والعمل الإنساني. كما تناول عدد من النقاد والباحثين أعمالها بالدراسة، مشيرين إلى أنها استطاعت الجمع بين البعد الجمالي للنص والبعد التربوي، دون أن تطغى الرسالة على القيمة الفنية للعمل الأدبي.
سارة السهيل حققت التوازن بين سلاسة اللغة وعُمق المضمون
ويرى نقاد أن نجاح سارة السهيل يعود إلى قدرتها على تحقيق توازن دقيق بين اللغة السلسة والفكرة العميقة، فهي تكتب بلغة واضحة تناسب مختلف شرائح القراء، لكنها في الوقت نفسه تحمل مضامين فكرية تدعو إلى التأمل وإعادة النظر في كثير من القضايا الاجتماعية والإنسانية. كما أن اهتمامها بعلم النفس والتربية منحها قدرة على رسم شخصيات واقعية وفهم احتياجات الطفل والأسرة، وهو ما انعكس بوضوح في معظم إنتاجها الأدبي.
السهيل: الكاتب مُطالب بمواجهة تحدّيات العصر
وفي ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم، تؤكد السهيل أن مسؤولية الكاتب أصبحت أكبر من أي وقت مضى، إذ لم يعد الأدب معنيًا بسرد الحكايات فقط، بل أصبح مطالبًا بالإسهام في مواجهة تحديات العصر، مثل العنف، والتطرف، وضعف القراءة، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال، والتغيرات التي فرضتها التكنولوجيا الحديثة. ومن هذا المنطلق، تدعو إلى تطوير محتوى عربي معاصر يجمع بين الأصالة والانفتاح على المعرفة، ويستفيد من التقنيات الحديثة في نشر الثقافة وتعزيز القراءة.
وتؤمن الكاتبة أن مستقبل الثقافة العربية يعتمد على الاستثمار في الطفل، ليس بوصفه قارئًا فحسب، وإنما بوصفه مشروع إنسان قادر على الإبداع والابتكار إذا وجد البيئة المناسبة. ولهذا جاءت معظم أعمالها لتشجع الأطفال على التفكير، وطرح الأسئلة، والعمل الجماعي، واحترام الاختلاف، والإيمان بأن النجاح يتحقق بالاجتهاد والمعرفة.
واستطاعت الدكتورة سارة طالب السهيل، عبر مسيرتها الممتدة، أن تقدم نموذجًا للمثقف الذي يجمع بين الإبداع والالتزام، وبين الحس الإنساني والرؤية التربوية. فهي لم تجعل الأدب غاية في ذاته، بل وسيلة لتكوين الإنسان الواعي القادر على التفاعل الإيجابي مع مجتمعه، وهو ما منح تجربتها خصوصية واضحة في المشهد الثقافي العربي.
سارة السهيل اسم راسخ في الأدب العربي المعاصر
واليوم، تُعد سارة طالب السهيل واحدة من الأسماء التي رسخت حضورها في الأدب العربي المعاصر، ليس فقط بفضل غزارة إنتاجها، وإنما أيضًا بسبب الرسالة التي حملتها طوال مسيرتها؛ رسالة تؤمن بأن الكلمة الصادقة قادرة على بناء العقول، وأن الكتاب يظل أحد أهم أدوات صناعة المستقبل. ومن خلال أعمالها المتنوعة ومشاركاتها الثقافية، أسهمت في ترسيخ مكانة أدب الطفل، وتعزيز قيم الحوار والسلام، والدفاع عن الثقافة باعتبارها قوة ناعمة قادرة على إحداث التغيير الإيجابي في المجتمعات.
الكاتب الحقيقي أثره يتجاوز حدود النص ويلامس الإنسان
وتبقى تجربتها شاهدًا على أن الكاتب الحقيقي هو من يترك أثرًا يتجاوز حدود النص، ليصل إلى الإنسان ذاته، فينير فكره، ويغذي وجدانه، ويمنحه الأمل في مستقبل أكثر عدلًا وجمالًا. ومن هذا المنطلق، تستحق سارة طالب السهيل أن تُدرج ضمن أبرز الشخصيات الثقافية العربية التي جعلت من الأدب رسالة حضارية، ومن المعرفة جسرًا يربط بين الأجيال، ويعزز قيم الإنسانية والإبداع في عالم تتزايد فيه الحاجة إلى الكلمة المسؤولة.


